سيد محمد طنطاوي
351
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ أي : ما تتمنوه وتطلبونه ، فقوله تَدَّعُونَ افتعال من الدعاء بمعنى الطلب . قوله - تعالى - : * ( نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) * حال من قوله : ما تَدَّعُونَ ، وأصل النزل : ما يقدم للضيف عند نزوله على المضيف من مأكل طيب ، ومشرب حسن ، ومكان فيه راحته . أي : لكم في الدار الآخرة جميع ما تطلبونه وما تدعونه ، حال كون هذا المعطى لكم رزقا وضيافة مهيأة لكم من ربكم الواسع المغفرة والرحمة . ثم سمت السورة الكريمة بعد ذلك بمنازل الذين يقومون بالدعوة إلى الحق بحكمة وإخلاص فقال - تعالى - : * ( ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّه وعَمِلَ صالِحاً وقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) * . أي . لا أحد أحسن قولا ، وأعظم منزلة ، ممن دعا غيره إلى طاعة اللَّه - تعالى - وإلى المحافظة على أداء ما كلفه به . ولم يكتف بهذه الدعوة لغيره ، بل أتبع ذلك بالعمل الصالح الذي يجعل المدعوين يزدادون استجابة له . * ( وقالَ ) * : بعد كل ذلك على سبيل السرور والابتهاج والتحدث بنعمة اللَّه * ( إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) * . أي : من الذين أسلموا وجوههم للَّه - تعالى - وأخلصوا له القول والعمل . قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية ، أي : وهو في نفسه مهتد بما يقوله ، فنفعه لنفسه لازم ومتعد ، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه ، وينهون عن المنكر ويأتونه . . وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير ، وهو في نفسه مهتد . وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء . . . والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم « « 1 » . ثم أرشد - سبحانه - إلى ما ينمى روح المحبة والمودة . . بين الداعي والمدعوين بصفة خاصة ، وبين المسلم وغيره بصفة عامة ، فقال : * ( ولا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ ولَا السَّيِّئَةُ ) * . أي : ولا تستوي الخصلة الحسنة ولا الخصلة السيئة ، لا في ذواتهما ولا في الآثار التي تترتب
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 168 .